واصف جوهرية
14
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
كان يميل لحفظ كل شيء نادر من تحف وغيره فقد كان عندنا في البيت جلدين من جلود الأفعى البوا من إفريقيا والجدير بالذكر أن واحدة تحتفظ بالرأس الذي يحتوي على صفين من الأسنان في سقف حلق الأفعى محفوظة عندي في المجموعة الجوهرية تدهش كل من نظرها وهي بالفعل نادرة . وكان عنده قليلا جدا من الصيني ( أواني لحفظ الحلوى ) ثم بعض المخطوطات النادرة ومجموعة قيمة من الطوابع النادرة القديمة وكان أثاثه متواضعا ولكن نادر الوجود بالنسبة إلى باقي أثاث الأصدقاء في ذلك الزمن . وكان يحتفظ بصندوق نادر الوجود معه لجهاز الوالدة من خشب الجوز التركي المزركش بالنحاس وله قفلا بجرس عجيب . ثم منقلا أصفر اللون من النحاس الإستانبولي وصموار للشاي روسي قد أخذتهم وحفظتهم ضمن المجموعة الجوهرية للذكرى ومع الأسف الشديد قد استعار مني فخري النشاشيبي صندوق الوالدة هذا ، في ليلة أتى ليطلعه على أصدقاء أجانب في بيته وشاء القدر أن يتوفى فخري وتوفى الصندوق ولم ترده زوجته لي سامحها اللّه . حياتنا ومنهاج معيشتنا في الدار كان والدي يحب الترتيب والنظام وله ميول نادرة في الفنون واجتماعي كبير فقد علمنا وشجعنا على السير في الطرق الفضيلة فمثلا بعد زواج أخواتي عفيفة وشفيقة وجوليا أصدر إراداته السنية في البيت طبعا بأن من الواجب علي وعلى إخواني خليل وتوفيق وفخري بأن نقوم بمساعدة الوالدة في كل ما يتطلبه البيت من تنظيم وتعزيل وتكنيس وقش ومسح وفرش وفرك نحاس ( ومناقلة المياه من الطابق السفلي من الدار حول 45 درجة فنحمل تنك المياه إلى الدار ) ، حتى الطبيخ نطبخه ، الأمر الذي كان يلفت أنظار الجيران ويحسدونا على هذا الترتيب الذي كان يضاهي أعمال النساء واللّه يشهد . وهكذا كان يضرب في أولاد الجوهرية المثل بشؤون المنزل على اختلاف أنواعه . كنا كما قلت سابقا نأكل في فصل الصيف حول المائدة ( الطاولة ) ، ونجلس طبعا على الكراسي وكل واحد يسكب في صحنه ( الزينكو المدهون ) « 1 » الخاص كما هي الحالة في يومنا هذا وقد أبطلنا تناول الطعام بواسطة الملاعق الخشبية التي كانت تستعمل عادة عند الناس والتي كانت تورد إلى بلادنا من بر الأناضول واليونان واستبدلناها بملاعق نحاسية تبيض من وقت إلى آخر ، كذلك أبطلنا شرب الماء من الطاسة الوحيدة التي كانت مربوطة على زير الماء للجميع واستبدلناها بكأس بلوري لكل واحد منا عند الطعام ، كذلك وحبا بترقية الحياة اشترى والدي لكل منا سرير حديدي وأبطلنا والحمد للّه النوم على الأرض وذلك منذ سنة 1906 وهكذا وبلمح البصر كنا نضب الفراش ولا داعي للتعب ورفع الفراش يوميا . كان يركب والدي حمارا أبيضا وله إسطبلين الأول خارج الدار وبابه على الطريق الرئيسية والثاني داخل مدخل الدار في الطابق السفلي ( الدهليز ) وبزاويته يحفظ الفحم والحطب لأيام الشتاء . فكنا أنا وأخواتي نقوم في عملية إطعام وإسقاء الحمار يوميا ونعتني بنظافته ونحل عنه السرج عندما يحضر والدي ونغربل له الشعير ونمزجه مع التبن إلى ما هنالك من
--> ( 1 ) صحن من معدني الزينك مطلي بالزجاج ومشوي بفرن خاص .